الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

288

نفحات الولاية

قوله عليه السلام أيّها الناس يفيد حضور عدد كبير من الناس فضلًا عن ذانك الفردين . ويؤيد هذا المعنى بعض الروايات الواردة بهذا الشأن . والنقطة الجديرة بالذكر أنّ الإمام عليه السلام شبه الفتن بالأمواج العاتية الكاسحة والتي يوصي بمجابهتها من خلال الاعتصام بسفن النجاة . والمراد بسفن النجاة تلك السفن العملاقة التي تشق عباب البحر ولاتصمد أمامها الرياح العواتي فتبلغ بركابها شاطئ الأمان ، ويراد بهم هنا الزعماء الربانيين ولا سيما أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله « 1 » ، أي إسمعوا وأطيعوا لما نقول لا لما تريدون ، وللتأكيد على هذا المعنى فقد شبه عليه السلام التفاخر القبلي والفئوي بالطريق الخطير المرعب الذي ينبغي اجتنابه ( لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ المعنى الأصلي للمنافرة هو أن يذكر كل واحد من الرجلين مفاخره وفضائله ، ثم يتحاكما إلى ثالث ) - فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أراد بهذا الكلام القيم أن يركز على العامل الأصلي لآلام البشرية ومعاناتها ، التي تفرزها على الدوام الحروب الدموية والاختلافات والنزاعات والاقتتالات التي تستند إلى التفاخر ؛ فإذا ما حطم هذا الصنم أمكن حل كافة مشاكل المجتمعات البشرية وعاد إلى الدنيا الأمن والصلح والسلام . طبعا صحيح أنّ طلاب القدرة والمنصب إنّما يتقنعون بالدفاع عن حقوق المجتمع وحفظ القيم والمثل ، ولكن ليس هنا لك من يشك في أنّهم إنّما يتظاهرون بهذه الشعارات من أجل تحقيق أغراضهم ومآربهم بغية التفاخر على الآخرين . ثم قال عليه السلام : « أفلح من نهض بجناح ، أو استسلم فأراح » « 2 » . فالإمام عليه السلام أشار إلى نقطة أساسية هي أنّ القيام بالحق تتطلب بعض الشرائط ؛ فلو توفرت هذه الشرائط لما ترددت في القيام بالأمر ، أمّا إذا لم تتوفر فالعقل والمنطق والدين لا يحكم بأنّ القيام ليس بمجدٍ فحسب ، بل من شأنه أن يثير الفرقة والاختلاف والأذى والمعاناة للآخرين كما يؤدي إلى القضاء على القوى الناهضة بالحق ، وهذا أصل من الأصول الثابتة التي ينبغي رعايتها في كافة الأنشطة الاجتماعية ولا سيما في النهضات والثورات السياسية . أمّا النقطة الأخرى التي تطرق إليها الإمام عليه السلام فانّما تكمن في

--> ( 1 ) جاء في الرواية المشهورة عن النبي صلى الله عليه وآله : « مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى ومن تخلف عنها غرق » . امّا قول ابن أبي الحديد أن هذا الحديث صحيح الا ان أهل البيت عليه السلام لم يرادوا بهذه اللفظة فهو خاطئ . فقد أراد الإمام عليه السلام بهذه العبارة أن اسمعوا لما آمركم به وأطيعوا ولا تتبعوا ما تمليه عليه إرادتكم . ( 2 ) لابدّ من الالتفات هنا إلى الفعل ( أراح ) قد يأتي لازما أحيانا ومتعديا أحيانا أخرى ، ومفهومه على ضوء المعنى الأول أراح نفسه بينما معناه أراح الآخرين متعديا .